عمالقة التقنية
يلحقون بالصحراء
في منتصف 2010، ظهر في عقلي تساؤل لم يفارقني: لماذا لا يوجد طريقة موحدة نحسب فيها تكلفة إنتاج أي شي بوحدة قياس موحدة؟
تخمّر في ذهني هذا السؤال لعقد من الزمن، حتى سُكَّ الحلّ!
في نوفمبر 2022، وأنا مختلي في خيمة في صحراء حائل شمال السعودية، ضمن تجربة للخلوة بالنفس ومغادرة المدينة بعدما اجتاحتها الجوائح، الإجابة ظهرت جلية واضحة في طريق مظلم و سماء صافية تلمع بالنجوم: الطاقة هي العملة، لمستقبل العالم. وقتها، الذكاء الاصطناعي في بداياته ولم يتشكل كما هو الآن
كتبت أول تدوينة عن الحلّ في بداية يناير 2023 في مدونتي السابقة ونقلتها إلى هذه المدونة بعنوان:
“Priced Watt” is the only possible currency for the world ahead, why?
The story begins with a question:
العجيب، اللي ما كنت أعرفه وقتها: إني وصلت لشاطئ، وقف عليه عمالقة قبلي
خذ التسلسل لفهم حتمية الحلّ:
بعد ما نشرت أفكاري القادمة من خيمة في صحراء السعودية، اكتشفت آثار أفكار لأعظم العقول في التاريخ:
توماس إديسون وهنري فورد (1921-1922) اقترحوا “عملة الطاقة” بدل معيار الذهب. فورد تخيل نظام الساعة من الطاقة المبذولة تساوي دولار واحد. إديسون دعم فكرة “دولار الطاقة” كأساس أثبت من الذهب!
باكمنستر فولر (1969) راح أبعد، واقترح “الكيلوواط دولار” وشبكة طاقة كهربية عالمية (خريطة دايماكسيون توضح كيف أن العالم مترابط باليابسة أكثر مما نتصور). كان شرارة هذا الجواب، لما طفل عمره 11 سنة سأله كيف نحل مشكلة العنف، قال الحل شبكة كهربائية عالمية حيث “أساسنا الاقتصادي الجديد ليس ذهب أو دولارات؛ بل كيلوواط-ساعات”
وبعدين، في 2013، برايان ماكونيل اقترح “معيار الجول”، واقتصاديين بيئيين قضوا عقود يجادلون إن النظريات الاقتصادية التقليدية تتجاهل الطاقة كقيد أساسي
وبعدها، في 2026، إيلون ماسك تكلم عن الواط كعملة المستقبل، وإريك شميدت (الرئيس السابق لقوقل) تحدث إن الكهرباء، وليس رقائق/شرائح الكمبيوتر، هي المحدد الحقيقي لتقدم الذكاء الاصطناعي
كل هالوصولات للحلّ، ما كانت صدفة. ولا كانت عبقريات منفصلة. كانت إدراكات بواقع الكون وطريقة عمله.
ليش هالفكرة تطلع كل مرة
فكرة الطاقة كعملة ما تطلع من الذكاء، تطلع من حاجة وحدود فيزيائية مهمة تطلب حلّ بهذه المحددات
كل شخص وصل لهالنتيجة كان يستجيب لنفس الحقيقة الأساسية: كل قيمة في الأساس ناتجة عن تحويل الطاقة. ما تقدر تبني، تنقل، تتواصل، تفكر، أو تعيش بدون ما تحول طاقة ما. كل نظام عملات يتجاهل هذا الشي، مبني على طبقات تجريدية تنهار بتناقضاتها
إديسون وفورد شافوا هذا في عشرينيات القرن الماضي، لما العملة المقومة بالذهب خلقت ندرة صناعية بينما وفرة الطاقة صارت ممكنة تقنياً
فولر شافها في 1969 لما عصر الفضاء خلى الترابط العالمي متخيّل، والعشوائية في العملات العالمية صارت واضحة
الاقتصاديين البيئيين شافوها لما أزمات النفط في السبعينات كشفت كيف الاقتصادات الحديثة تعتمد كلياً على تدفقات الطاقة، وليس تدفقات المال
وأنا شفتها في 2022 لما خرجت من المدينة لأعيش في خيمة بالصحراء. ميكانيكية الإنتاج الأساسية صارت واضحة: الوقت يختلف، العمالة تختلف، المواد تختلف. لكن استهلاك الطاقة حقيقة جلية للنجاة!
والحين ماسك وشميدت يشوفونها في 2026 لأن الذكاء الاصطناعي خلى هالتناقض مستحيل تتجاهله: عندنا ذكاء لا نهائي لكن طاقة محدودة!
لماذا اليوم وهذه اللحظة مختلفة في تبني الفكرة؟
اللي يميز هالتقارب الحالي عن كل الإدراكات السابقة:
1. أخيراً، التقنية موجودة
شبكة فولر العالمية للطاقة كانت خيال علمي في 1969. اليوم، عندنا:
أنظمة طاقة متجددة موزعة
سجلات بلوكتشين لامركزية
شبكات ذكية وحساسات IoT تقيس تدفقات الطاقة في الوقت الفعلي
ذكاء اصطناعي يحسّن توزيع الطاقة على نطاق ضخم
البنية التحتية اللي تخلي عملة قائمة على الطاقة، ممكنة اليوم أكثر من أي وقت سابق، مفتاح رؤية هذا بوضوح، تسابق الكثير من دول العالم في تعدين خام النحاس، تتوقع ليش؟
2. الحاجة ملحّة
الذكاء الاصطناعي ما يمكّن الطاقة كعملة، بل يفرض ضرورتها للمستقبل. لما الذكاء الاصطناعي يولّد تصاميم لا نهائية، يكتب كود لا نهائي، وينتج تحليل لا نهائي، الطاقة تصير القيد الوحيد اللي له معنى. عنق الزجاجة انتقل من “ايش نقدر نفكر فيه؟” إلى “ايش نحتاج لتشغيله؟”
عشان كذا ماسك وشميدت يقولون هذا الحين. مو لأنهم أذكى من فورد أو فولر، لكن لأن الواقع التقني والاقتصادي أخيراً لحق المنطق الفيزيائي
3. تقاطع اللامركزية
نسخة ”الواط المسعّر Priced Watt” تضيف شي للرؤى السابقة ما كان واضح فيها: تكامل صريح مع الأنظمة اللامركزية. مو بس شبكة فولر العالمية المركزية، لكن شبكة ممكّنة بالبلوكتشين حيث:
ما فيه سلطة مركزية تتلاعب بالعملة مثل الدولار حالياً (ما تقدر تطبع طاقة على الورق فقط)
المعاملات شفافة وقابلة للتحقق (استهلاك الطاقة يقاس)
المزايا الجغرافية تصير مزايا تنافسية حقيقية (مو هندسة مالية للعملات)
تحسينات الكفاءة تخلق انكماش سعري فوري على مستوى العالم للمنتجات والخدمات
هذا مو بس نظام طاقة-كعملة. هذا نظام لامركزي، يمكن التحقق منه، ويوازن نفسه حسب احتياج العالم للانتاج والاستهلاك
نمط الاكتشاف المستقل
اللي يلفت نظري أكثر في اكتشاف هالسلسلة مو إن غيري فكر فيها قبلي، لكن إننا كلنا اضطررنا نكتشفها بشكل مستقل (أو على الأقل أتكلم عن نفسي، ما أدري عن الآخرين)
هنا تعرف إن الفكرة حقيقية مو بس ذكية: عندما يعاود اكتشافها من جديد كحلّ لنفس المشكلة
إديسون وفورد ما كانوا يعرفون إنهم يكررون مبادئ استكشفها تيسلا. فولر على الأرجح عرف عن فورد لكن طور رؤيته بشكل مستقل من خلال التفكير المنظومي. الاقتصاديين البيئيين وصلوا عبر الديناميكا الحرارية. أنا وصلت عبر الهندسة والسؤال عن قياس التكلفة العالمي. ماسك وشميدت يوصلون عبر قيود البنية التحتية للذكاء الاصطناعي
مسارات مختلفة، نفس الوجهة. لأن الوجهة حقيقية
ليش الحين هو الوقت المناسب؟
لمدة قرن، رؤية الطاقة-كعملة كانت صحيحة فلسفياً لكن عملياً مبكرة. العالم ما كان جاهز. التقنية ما كانت موجودة. الحاجة ما كانت ملحة كفاية لتبنيها
الآن:
مراكز الذكاء الاصطناعي تنتقل على أساس توفر وسعر الطاقة
تعدين البيتكوين يتبع أرخص كهرباء (ليس عملة على فكرة)
مراكز البيانات هي المصانع الجديدة، والواطات هي تكلفة مدخلاتها الأساسية
الفجوة بين القدرة المعرفية (لا نهائية) وتوفر الطاقة (محدود). القيد الاقتصادي في الطاقة وليس المعرفة
“الواط المسعّر” ما عاد تنبؤ. هو وصف لما يحدث الآن!
السؤال ليس ما إذا كانت الطاقة تصبح العملة الأساسية. السؤال هل بنبني الأنظمة الي تمكّن هالتحول للمجتمعات والاقتصادات، بدل من التركيز على الصراع في السيطرة على الطاقة والذكاء الاصطناعي (فنزويلا؟! كمثال على تحركات أمريكا قبل التخلي عن الدولار لإتلاف ومسح الديون الأمريكية للعالم؟!)
السعودية في سياق تاريخي للطاقة كعملة
السعودية، بميزاتها وقدراتها النفطية وحصاد الطاقة المتجددة الضخمة، تقف عند نفس المفترق اللي وقفت عنده أمريكا في 1921 لما فورد اقترح عملة الطاقة
لكن الفرق: السعودية عندها ميزات إضافية، منها طاقة شمسية هائلة، ربما الأعلى في العالم. في نظام الواط المسعّر، هذا مو بس ميزة، هذا أساس الاقتصاد الجديد، طاقة متجددة يعني مصنع عملة حقيقية
المستقبل ليس في تصدير برميل الطاقة كسائل مخزن في السفن عبر البحار و بسعر متذبذب. المستقبل في:
تحويل الطاقة الشمسية لواطات رخيصة
استضافة مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي العالمية
إنتاج منتجات كثيفة الطاقة بتكلفة أقل من أي مكان
تصدير الواطات في شكل منتجات وخدمات، مو في شكل خام
رؤية 2030 تتكلم عن التنويع. لكن التنويع الحقيقي في عالم الواط المسعّر: تحويل الميزة الطاقوية لميزة إنتاجية دائمة، ما تتأثر بأسعار عالمية أو قرارات سياسية
فولر حلم بشبكة طاقة عالمية. السعودية تقدر تكون عقدة رئيسية في هالشبكة، والوسيط الأساسي ومركز التبادل التجاري العالمي الجديد!
الصحراء والنمط
أنا ما اكتشفت الطاقة كعملة “الواط المسعّر”
أنا أدركته، الإجابة الي أدركها إديسون، و فولر، و الاقتصاديين البيئيين، و الآن ماسك و شميدت. الفكرة كانت دايماً موجودة، مسطّرة في رياضيات الديناميكا الحرارية، و منطق الإنتاج، و فيزياء التحويل
الصحراء ما أعطتني الإجابة. بل أزالت الضجيج، لتصل إجابة، يستحيل تجاهلها. الطاقة كانت ولازالت ولن يصبح غيرها كعملة مستقرة على أساس كوني. الي سواه الإنسان في آخر القرون، بنى طبقات تجريدية معقدة عشان يتجنب التعامل معها مباشرة، ربما لأن أدوات الحلّ لم تكتمل إلا اليوم!
اليوم، ذابت الطبقات التجريدية للعملات وبقيت الطاقة واضحة جلية لقيمة الشيء. عمالقة التقنية والتاريخ، ما وصلوا لهالاستنتاج عشوائياً. وصلوا لأنهم نظروا بوضوح للواقع، حتى كشف الواقع بنيته الأساسية
وبنية الواقع أساسها: الطاقة العملة لأن القيد طاقة
كل شي ثاني مجرد أوراق، تحمل طاقة الورق، من شجر أو بلاستك!


