لماذا نسأل؟
عن ماذا نبحث؟
هذا نص بديع كتبه إبراهيم وحررته ليخرج لكم بهذا الشكل. نواة النص تكونت في دردشة عن موضوع سيرى النور قريباً. قراءة ممتعة لكم
لماذا نسأل، في هذه الحياة؟
الإجابة المختصرة، نريد معلومة نستعين بها على تحقيق مصلحة. مثال، شخص ما، عنده مشكلة بعيونه يسأل آخر: كيف عملية عيونك؟ من الدكتور اللي سواها لك؟ مثال آخر، وش نوع جهازك الي تستخدمه وكيف ماشي معك؟ الهدف الأساس هو تقليل تفاوت المعلومات (information asymmetry) عن جودة سلعة أو إمكانات مقدم خدمة ما، حتى يستوفي السائل أكبر منفعة بسرعة وطمأنينة. الكلمة المفتاحية هنا، هو تفاوت المعلومة، وهي فجوة مؤثرة على جودة قراراتك في هذه الحياة. الكل يبحث عن رفع جودة قراراته في هذه الحياة، ولكن هذا ليس السبب الوحيد!
هاه! أجل؟
فيه جانب آخر، نسأل لنطمئن أننا نتوافق مع محيطنا. مثال هذا، طالب يتواصل مع زملائه في أيام الاختبارات ويسألهم: كيف درسوا فصل معين؟ كم ساعة ذاكروا؟ بنت تسأل قريباتها: كم مرة بالأسبوع تطبخون؟ طالبة في المرحلة المتوسطة تسأل زميلاتها: من وين تشتري المكياج؟
فنلاحظ هنا، قد يكون الهدف من السؤال أحد أمرين، الاستعانة على تحقيق مصلحة وكذلك الاتساق مع المحيط. هنالك من يريد أن يبدأ بالسؤال لحظة تواصل مع شخص يهمه التواصل معه. من الأمثلة، الزوج لزوجته: وش الغداء اليوم؟ شخص لزميله: وش صاير بإيران؟ هنا يأتي السؤال كوسيلة للتحقق من رضى الطرف الآخر أو يطمئِن السائل الطرف الآخر أنه راض (عادة بعد تماعط الشوش!).
هنالك شكل آخر له، مثل السؤال عن أحوال الشخص وأهله كعرف اجتماعي قبل الدخول في طلب ما. وهذا الأمر يقصد منه جزئيًا، أن سؤالي عنك وعن أهلك، وجوابك لسؤالي عن نفسك وأهلك، يوحي أن علاقتنا مستقرة، فأفترض أن تستمع إلى طلبي وأسترسل بالحديث. عكس ذلك، قد يستدعي طرف جوابًا، من الطرف الآخر ليستطيع أن يعرض عليه المساعدة. مثال، خلصت من التشطيب؟ أنا أعرف لك مقاول/معلّم ممتاز! أو يقيم مدى إمكانية تقديم المساعدة له، بدون حصول ضرر على السائل.
ومن مجالات السؤال، لغرض الاطمئنان عما لا يمكن الاطمئنان عنه عمومًا كالمستقبل، وتراها جلية في طلبات تفسير الأحلام. وجه آخر للسؤال، لغرض بعيد المدى واستراتيجي، عندما يعلم السائل أن الجواب الصحيح/المباشر سيضر بقدرة الطرف الآخر التفاوضية. أوضح أمثلتها جلية في مقابلات التوظيف للأعمال، عندما يتيقن رب العمل أن الشخص مناسب، يحاول أن يسأله في غير مجال تخصصه، ويترقب أن يجيب طالب العمل بلا أعلم أو يرتبك، ومن ثم يكون لرب العمل التفاوض من مكان أفضل.
لماذا يجيب الآخر؟
أحد أوجه الإجابة، يريد أن ينفع الآخر لوجه الله، ويريد المجيب أن يتخذ السائل القرار الصحيح، مثالها الأب عندما يشارك خبرته مع أبنائه. هنالك من يجيب الآخر ليشعر بقيمته أو أنه يستمتع بمشاركة علمه أو تصوره، وأمثلتها كثيرة. هنالك أيضاً، من يجيب بتعاون ليخلق لحظة تواصل، مثل الزوجة عندما تجيب زوجها عن الغداء، والزميل عندما يجيب عن الوضع في إيران. قد يريد المجيب أن يطمئن السائل أن ليس بينهما شحناء، أو يريد ملاحظة ردة فعل السائل على الجواب بدافع الحب/الاحترام، مثال الزوجة جوابًا على سؤال وش الغداء: اليوم طابخين ... إذا كانت أول مرة تطبخ الطبخة، وما تدري هل زوجها يحبها، بتهتم ترى ردة فعله.
وقد يجيب ويكون مقصده ما يجنيه من جوابه في الحال أو المآل. كأن يحصل على منفعة مالية مباشرة من الجواب، مثل السمسار العقاري/الخطابة/المدرس الخصوصي… إلخ. وقد يكون للإجابة صورة سلبية باستغلال اللحظة للانتقاص من السائل وإظهار علوه، بقول مثلا: ما مر عليك قبل؟ أو التأخر في الجواب، أو الجواب بإيجاز مخل بقصد اللعب في ديناميكية العلاقة وإظهار عدم أهمية السائل له أو أن السائل هو الذي يحتاجه. هناك شكل آخر للمقصد من الجواب كاستدعاء ردة فعل عن طريق الجواب، ومن ثم ملاحظة ردة فعل السائل، بقصد التفاوض. مثالها في البائع إذا سئل عن سعر سلعة وعرض رقمًا يريد أن يستخلص انطباع المشتري المحتمل، كذلك الموارد البشرية لمن يعرضون على موظف راتب معين يحاولون يكلمونه بالتلفون يستشفون انطباعه. وقد تكون الإجابة على سؤال ما، كمنفعة مستقبلية/رصيد عند السائل، خدمة مقابل خدمة لاحقاً. هنالك من يجيب استراتيجياً؛ ليتمكن من إظهار مزية فيه أو في منتجه، يتفاوض على أساسها، أو عندما يضطر إلى الجواب وإن كان تجنب الجواب أفضل؛ ليتفادى الشكوك بخصوص مواصفات أو قدرات معينة.
الآن، لماذا لا؟
لماذا يحجم الناس عن السؤال في الحياة الواقعية؟
باختصار، خوفًا من الرفض ومن ثم انخفاض قيمتهم الاجتماعية. قد يحجم شخص عن خطبة امرأة بالكلية لهذا السبب، أو يتجنب شخص البحث عن عمل عن طريق زميل له لذات السبب. قد لا يحجم الشخص عن السؤال بالكلية. وقد يجسر/يجرؤ شخص على السؤال، لكنه – حفاظًا على قيمته الاجتماعية - يسأله بنبرة غير مهتمة؛ حتى لا يكون للرفض أثر على قيمته الاجتماعية. جانب آخر من تجنب السؤال، خشية فقد جزء من القدرة التفاوضية، مثال من يريد أن يشتري شيئا، ويعلم أن به ميزة، لن يسأل عن هذه الميزة حتى لا يرفع الطرف الآخر السعر إلا إذا اضطر للتحقق من وجودها، مثل ذلك رب العمل وأهل المخطوبة لا يسألون عن مزايا الموظف أو الخاطب التي يعلمونها.
هنالك من لا يسأل، لأنه لا يريد استنزاف رصيد المصالح مع بعض الأشخاص. بعض الناس في إجاباتهم عليك، يظهرون أن ما استنزف من سؤال واحد قدر كبير من هذا الرصيد، ليحققوا لنفسهم من نفس الشخص مصالح أكبر مما يعطوا، فيتجنب الشخص سؤالهم إلا في أحلك الظروف. أيضاً، هنالك جانب آخر يمنع الناس من السؤال، تكمن في نوعية السؤال. فمن المستحسن تجنبها مع غير المقربين/المختصين/ذوي التجارب المشابهة. مثلا، السؤال عن أفضل دكتور عملية بواسير، وسؤال شخص عن تجربته في جامعة معينة أو مكان عمل معين، عشان ما "يشوف نفسه عليك"! وسؤال شخص عما إذا كان قد فعل أمر معين مثلا: خضع مثلا لعملية تخسيس وزن فقد تحرج نفسك وتحرجه، جلها تقع في الأسئلة الشخصية. هنالك أسئلة من المستحسن تجنبها، ولكن أيضًا لتوقعك أنك لن تحصل على إجابة حتى تسأل عدد كبير من الناس، وعندها تكون قد استنفدت قيمة اجتماعية كبيرة. لذا، حتى وإن كان السائل لا يراعي قيمته الاجتماعية في نوعية السؤال، فحتما سيراعيها عند تكرر عدم إجابة الناس عليه، لعدم علمهم أو عدم رغبتهم بالإجابة.
الآن، بعدما عرفنا لماذا لا يسألون، ماذا عن: لماذا لا يجيب الناس عند سؤالهم؟
لأن الجواب مع إظهار الرغبة في إجابة السائل إجابة شافية، قد تقلل من قيمة ما تقدمه والفضل فيه، أو يزيد طمع السائل فيما عندك وما تستطيع أن تقدمه له. هذا يفسر جزئيًا لجوء بعض الناس إلى الإيجاز المُخِلّ في الجواب في أحيان كثيرة، وعدم التعاون مع السائل بإجابته إجابة شافية.
أيضاً، الجواب قد يقلل من قيمتك الاجتماعية. بعض الناس قد يرفض الإفصاح عن خضوعه لعملية سمنة، أو مشكلة عقم لديه وقد يتحمل ضغوطات رهيبة "ليش ما تجيبون عيال؟" على أن يجيب على السؤال. مثال آخر، عندما يسأل شخص عن قدر راتبه أو تجربته مع إبر التخسيس، يمتنع معظم الناس عن الإجابة لأمور في جلها نفسية. والسبب؟ أولاً، لأن الجواب قد يضعف من موقفهم التفاوضي في عملية تفاوض. مثلاً، لو عرض المشتري سعر منخفض جدًا، قد يسكت البائع، لأن البائع لو تكلم حينها وقال: "لا، السعر اللي تقول بعيد" فهو كأنه يتيح للمشتري أن يرفعه قليلاً، في حين أن سكوته وإعراضه قد يكون أفضل للتفاوض لأنه كأنه يقول "أنت مجنون"! ثانياً، لأن الجواب قد يلزمهم/يحملهم مسؤولية أو يعيق حريتهم مستقبلاً، كما لو قلت لأحد سبق سويت كذا، أو لي تجربة مع كذا، حتى وإن كان المخاطب غير مهتم، قد يظهر مستقبلا في حياته شخص محتاج معلومات عن هذا الأمر الذي جربته، ومن ثم يحيله عليك، وتكون حينها ملزم بالإفادة. أيضًا لو أفصحت لزوجتك عن جميع أملاكك، وكانت غير عاقلة، قد تحملك ما لا تطيق. كذلك الأمر مع النصائح، حينما تنصح شخص بشيء، قد تترتب عليك مسؤولية ضمنية حول هذا الأمر.
كيف حلّ الإنسان معضلة السؤال والجواب؟
حلها بخلق علاقات وطيدة بصديق مقرب، أو قريب موثوق، أو استشارة مهنية محاطة بالسرية. هذه الروابط، مبنية على ماهو أبعد من أن تكتشفه "نظرية التبادل الاجتماعي Social Exchange Theory" وفي هذا الزمن تغيرت الأدوات ولكن الاحتياج هو نفسه. اليوم يستخدم الناس حسابات أونلاين مجهولة على مواقع مثل reddit، وحديثاً، سؤال الذكاء الاصطناعي بدلا من سؤال أشخاص حقيقيين!
ماذا يجد الناس في السؤال والجواب "أونلاين"، مقارنة بالواقع؟
إمكانية البقاء مجهول في “الأونلاين”، فتحقق مصلحتك بتقليل فجوة التفاوت المعلوماتي، وتتسق مع محيطك، وتتجنب عدد من السلبيات المذكورة آنفاً. قد تسأل "أونلاين" للحصول على معلومة يعجز عن الحصول عليها من معارف الواقع لتجنب بعض السلبيات المذكورة أعلاه، أو لأن المعلومة غير متوفرة لديهم. بالتأكيد لسرعة الحصول على المعلومة مقارنة بالواقع، فالواقع قد تضطر للانتظار أيام حتى يجيبك الشخص، أو حتى يسأل الشخص غيره ثم يأتيك بمعلومة، وكذلك الراحة والسهولة بدون ما تطلع تقابل الشخص أو تتواصل هاتفيًا معه. من الأسباب أيضاً لامتناع الناس عن السؤال في الواقع، تجنب الاحتكاك و"تماعط الشوش" إن صح التعبير. لو بنت تبي تسأل أمها عن إكسسوار غالي، الأم بتقول ليش حرام، اشتري ذهب أحسن من إكسسوار. نفس الشيء إذا السؤال عن سفر، أو تعليم معين. البعض أيضاً يفترض موثوقية معلومة أعلى "أونلاين" عن الواقع (يا بنات، هل هذه النقطة صحيحة عندكم؟ افتراض موثوقية أعلى للأونلاين عن الواقع؟)؛ لأنهم لا يعلموا عن الشخص الذي أجاب (عمره، تجاربه، عقله) فتكون موثوقيته الافتراضية عالية لغياب هذه المعلومات عن الشخص مقدم المعلومة.
في جانب الجواب أيضاً، البقاء مجهولاً يتيح للشخص أن يجيب ويستمتع بإجابته بدون تحفظات؛ مما يعطيه قيمة معنوية أعلى، دون تحمل تبعات الجواب. لن يطلبك أحد شيء بعدما تجيب بأيام لأنهم لا يعرفون من أنت. القيمة تلتمس من خلال ردود الناس أو انطباعات. أتصور المتقاعدين، العاطلين/الفاضين، النساء أكثر الفئات التي تجيب للحصول على قيمة معنوية. وبما أننا في عصر الذكاء الاصطناعي، فهذا رأي "تشات جي بي تي"، يقول: بعض المجيبين أونلاين يبنون سمعتهم الرقمية، الأمر الذي يمكن أن يؤول بهم إلى كسب مالي! وهذا واقعي فعلاً، فالتواجد الرقمي يتيح للمهنيين طلب مقابل مالي. فكر بمفسر الأحلام والمحامي عندما يتواجدون بالاستراحة؟ وقارنه بتواجدهم أونلاين على تطبيقات تفسير الأحلام والاستشارات القانونية؟ أيها أسهل أن يطلب مقابل مالي على الإجابة؟
الآن، هل لديك أسئلة لم تجد لها جواب؟ ربما لأنك لم تسأل، أو سألت وانسحب عليك!
لا عليك، هذا هو واقع العالم، فربما يحفزك هذا على اكتشاف جواب يغير العالم من حولك.


