جودة الحياة
بالمقلوب
يا كثر السواليف عن جودة الحياة، ولهذا وجب تعريفها وتفنيد عزها وجذورها، لأن شكلها النمطي ماهو عاجبني وقلت خلني أفصفصها!
بماذا تعرّف جودة الحياة؟
في ويكيبيديا، تعرّف على أنها:
“كل ما يتمتع به الفرد من مسكن وملبس ومأكل ومشرب“، وركز لي على كلمة >يتمتع< لأنها مفتاحية في فهم جودة الحياة
ولما نشوف برنامج جودة الحياة في رؤية السعودية 2030، نلقى أهداف استراتيجية مهمة لتحقيق رؤية البرنامج، مثل:
تعزيز ممارسة الأنشطة الرياضية في المجتمع
تحقيق التميّز في عدة رياضات إقليمياً وعالمياً
تنمية المساهمة السعودية في الفنون والثقافة
تطوير وتنويع فرص الترفيه لتلبية احتياجات السكان
تحسين المشهد الحضري في المدن السعودية
…
لو تلاحظ، الإنسان محور مشترك بين هذه الأهداف. خلنا نرجع لكلمة “يتمتع”، كيف يتمتع الإنسان بالمسكن والملبس والمأكل والمشرب؟
بأعطيك أمثلة فيها متعة وأمثلة العكس (وش عكس المتعة؟)، عاد أنت وضميرك، وش دخل؟ مدري!
الاستمتاع بالملبس
قديماً، كان الطفل يستمتع بالملبس مرة واحدة في السنة، وغالباً في يوم العيد، عندما يكسوه والده بثوب جديد أو فستانٍ جميل في حال كانت طفلة. هنا، الأطفال في أعلى درجات المتعة باللبس الجديد، وتستمر الفرحة فترة طويلة، تتعدى الأسابيع
اليوم، تدخل بعض الملابس للبيت وتنام في الدولاب ويكبر الطفل ولا يلبسها. بل يلبس بعض الأطفال “أغلى الماركات” ولا يحسون بأي متعة بالملبس، أو ربما متعة لثواني معدودة، وينتقل الطفل إلى استهلاك “دوباميني” آخر!
طيب تخيل معي، أن تلبس لبساً تعرف من صنعه، ومما صنعه، وكيف صممه، وربما تشارك في حياكته أو يشارك في حياكته من يكنّ لك بمشاعر، كيف ستستمتع بهذا الملبس؟ ملبس له قصة
يطرأ على بالي بعض الأسئلة بخصوص الملابس عموماً، وكيف ضاع تأثير البيئة والمهنة على شكل الملبس، بل كيف تلاشت الإضافات الفنية المتفردة لكل شخص على ملبسه. تقريباً العالم كله يلبس نفس الملابس، وهذا شيء عجيب في تاريخ البشرية وربما يحدث لأول مرة
من أكثر الأشياء متعة في الملبس، أن تلبس شيئاً يلائمك، فيزيائياً وروحياً. لا محاكاة للموضة ولا بحث عن معجبين ومعجبات! غالباً ستجد المتعة في ملبس “مكروف” وربما مهترئ، تعرف ليش؟ من كثر ما لبسته! هنا أعلى درجات جودة الحياه في الملبس، “بجامة نوم مشققه”
الاستمتاع بالمأكل والمشرب
اطلب من هنقر الدبابات، هههه، لا أمزح، والا لا ما أمزح؟! الصراحة مشهد تغذية البطن و”الكرشة” اليوم، غير ممتع أبداً، وراح أقول لك ليش. وين المتعة في إنك تفتح تطبيق، وتشقلب مخك في وش تطلب، ثم آخر شيء تطلب أسرع مطعم يوصل لأنك جعت زيادة من كثر ما الصور مليانه زيت وسكر! ثم ياخذ الطلب مدة تكون وقتها فقدت اتزانك وقواك العقلية والنفسية، وعساه ما يفاجئك المندوب ويسحب عليك والا يصدمه “راعي السييرا”. أبداً، لا متعة في هذا، ولكن أنت مضطر، تدري ليش؟
خلني أعلمك، أنت تدري أن الطبخ بالبيت أفضل (صحياً واقتصادياً)، ولو كنت ذو مهارة بالطبخ أحسن وأحسن، لكن فيه مشكلة متعددة الأوجه:
غالباً ماعندك وقت، عشان الدنيا زحمه وجدول حياتك “الله بالخير”
ماتعرف تطبخ أو ما عندك أحد يطبخ لك
ماعندك مطبخ لأنك ساكن بـ “استوديو” كان غرفة بشقة، شقشقوها لاستوديوهات!
كل الي فوق، وزيادة...
الله يلطف بحالك وحال راعين الخوذات، أكلك يجيك بنكهة كربون الشوارع، وزين إذا وقف على كذا
طيب وين المتعة بالأكل؟ كيف استمتع؟
خلني أعلمك لحظات أنت تعرفها زين، فيها متعة بالمأكل والمشرب:
لما تطلعون للبر، حتى لو كان الطبخ نص استواء أو الطباخ “جاب العيد”
إذا رحت لمطعم شعبي رخيص وأكله لذيذ وأكلت محلي
برّاد شاي على الجمر في أجواء ممطرة
…
لاحظ، أنه كلما ابتعدت عن المدنية وميكنة عمليات إعداد المأكل والمشرب، كلما استمتعت به. ربما هنالك حالة قمة، للمتعة بالمأكل والمشرب، وهي أن تعيش في مزرعتك وتحصد منها مواردك الغذائية، وتعد الطعام مع الأهل والأحباب خلال اليوم، وتجربون وصفات جديدة وابتكارات معظمها ستفشل. لكن المتعة هو في رحلة التغذية، ليست تغذية بطن و “كرشة” فقط، بل فيها نوع من الدفء والأمن الغذائي
الاستمتاع بالمسكن
وهذا فيه المعضلة الأكبر، ليس لارتفاع الأسعار فقط، بل يتعدى هذا. بغض النظر عن قدرة شخص ما على شراء مسكن، فالمتعة ليست مرتبطة بسعر أو بحجم بل بأشياء تكاد تكون معدومة في مساكن اليوم
المسكن هو أقرب ما يكون، إطار يحوي عمليات حياتية لك ككائن بيولوجي يحتك مع كائنات بيولوجية أخرى في بيئة فيزيائية معينة. عندما تشاهد مسكن في مدينة ساحلية، يشبه مسكن في مدينة صحراوية، يشبه مسكن في مدينة جبلية، تعرف أن “الدنيا ضايعة” وما عندنا عمارة للإنسان والمكان
عشان تستمتع بالمسكن، لا بد أن ينمو بشكل عضوي، بمعنى أن تنمو العناصر حسب الاحتياج، وأن تشارك فيه بيدك وخيالك وأحاسيسك وفنّك. هذا لا يعني شرطاً أن تبنيه بنفسك، ولكن أن ينمو المسكن كما تنمو أنت وعائلتك، هذه هي قمة الاستمتاع بالمسكن. أن يتوافق المسكن مع المكان ويتكيف مع الحدود الفيزيائية والطبيعية
طبعاً ليش صعب تستمتع بالمسكن؟ لأنك يالله تحصل لك مسكن إيجار، خل باقي تنمو بشكل عضوي في مسكن ملك. المدينة بقوانينها وأنظمتها >وأدت< أي مساحة للنمو العضوي للمسكن. اليوم تسكن في سكن مصمم بشكل صناعي تجاري بحت، إذا كنت محظوظ، تختار لون الجدار وبلاط الحمام!
“لا تقتل المتعة يا مسلم!!”
لو فيه داء يخنق المتعة في كل مساحات الحياة، فهو شيء واحد اليوم: اتساع حلبة المصارعة، قصدي المقارنة! مع انتشار “الإنفلونزرز”، أصبح داء المقارنة مثل الإنفلونزا، يفتك بالمتعة في كل مكان. غالباً الجانب الي في حياتك مافيه متعة، موبوء بداء المقارنة.
عشان تسترجع المتعة في حياتك، اختر أين تعيش، وكيف تعيش، ومع من تعيش. لن تندم، وإن ندمت، فتذكر أنك اخترت.

